أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
102
التوحيد
فيما يدله على حدثها ومحدثها يشغله عن شهوات النفس ليعلم أن ذلك هو صنيع الشيطان . على أنه إذ لم يجز إهمال شيء من الجوارح عن المنافع التي جعلت فيها ، ولا كفّها عن أعمالها بتة ، بل يجب كفها عن الوجوه الضارة واستعمالها بالوجوه النافعة ، فالعقل والنظر الذي بهما تعرف المنافع والمضار أحق أن لا يهملا . مع ما كان الناظر عند ورود الخاطر لا يعدو خصالا ثلاثة : إما أن يفضي به نظره إلى العلم بحدثه وأن له محدثا يجزيه بالإحسان ويعاقبه بالإساءة ، فيجتنب ما يسخطه ويقبل على ما يرضيه فيسعد وينال شرف الدارين ، أو يفضي به إلى نفي ما ذكرنا فيتمتع بصنوف اللذات ، أما العقاب فينتظره في الآخرة ، أو يفضي به إلى العلم باستغلاق باب العلم بحقيقة ما دعي إليه ، فيستريح قلبه ويزول عنه الوجل الذي يعتريه إذا فزعته الخواطر ، فيعلم إذا أنصف أنه على ربح في نظره من كل وجه ، ولا قوة إلّا باللّه . فإن قيل : إذ جاز أن يأمر اللّه العبد في عقله بما لا يفهم لم لا جاز أن يخاطبه بما لا يفهمه ؟ قيل : لا فرق بينهما ، ولا يجوز الإطلاق عليه بالذي ذكرت ، وما من شيء يأمر اللّه به إما يبعث العقل عليه أو بخطاب السمع إلا وقد جعل اللّه لفهم ذلك سبيلا ، ومن قصر فهمه عن احتماله فهو خارج عن الأمر ، لكن جهات الأصول مختلفة ، تعلم هي بالنظر والفكر أن ذلك من أي نوع ، ولا قوة إلّا باللّه . فإن قال : إذ لا عذر في الشاهد للعبد أقبل من قوله لسيّده : لم أعلم أن فعلي يسخطك فأتركه ، ولو علمت ذلك لانزجرت مما فعلت ، لم لا كان ذلك في حكمة اللّه مقبولا ؟ قيل : ذلك إنما حسن بيننا لارتفاع ما به يعرف الأمر من الدليل عليه ، وأما اللّه سبحانه فقد جعل لعبده على الأمر بما أمره به دليلا وحرّك ذهنه بالخواطر ونبّهه بصنوف العبر ، فإنما أتى من قبل تركه النظر ، وذلك فعله ، فيصير بما هو معتذرا محجوجا ؛ إذ بفعله أعرض عن ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : وأصله أن العلم باللّه وبأمره عرض لا يدرك إلا بالاستدلال ، وقد أظهر به ما يستدل من أحوال نفسه التي عليها مداره ، مع ما بينا أن الضرورة تبعثه على النظر وتدفعه إلى الفكر فيما يرى من أحواله وأعضائه ومنافعه ومضاره التي في الجهل بها عطبه وفي العلم بها صلاحه ، وفي صلاحه بها على علمه بأنه لم يكن دبّر ما ذكرت من أحوال تضطره إلى معرفته ومن قام هو به ، ولا قوة إلّا باللّه . [ دفع حجة ابن شبيب في حدث الأجسام ] واحتج محمد بن شبيب في حدث الأجسام بما لا يخلو من سكون هو مقام ، وحركة هي الظعن ، وهما محدثان بما يختلف على الاثنين المكان بما تقدم أحدهما ،